البحتري

البحتري – شاعر الطيف

البحتري : هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى التنوخي الطائي، ولد في مبنج من حلب في سوريا في عام 204 هـ الموافق لعام 820 م، ويعد البحتري واحداً من أشهر أشهر الشعراء العرب في العصر العباسي، ظهرت موهبة البحتري الشعر فى سن صغير، إنتقل إلي حمص ليعرض شعره علي أبي تمام الذى عمل علي توجيهه و إرشاده إلى ما يجب أن يصبوا إليه شعره .

كان البحتري شاعراً فى بلاط خلفاء الدولة العباسية مثل المتوكل والمنتصر والمستعين بالله و المعتز بن المتوكل ، عرف بعلاقاته الوطيده مع العديد من وزراء الدولة العباسية والامراء والولاة وقادة الجيوش، ظل البحتري متصل ببلدته منيج وظل يزورها حتى وفاته، توفى البحتري عن عمر يناهز الثمانين عام سنة 284 هت الموافقة لسنة 897 م.

المتنبي وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري

سئل أبي العلاء المعري عن البحتري وأبو تمام والمتنبي و هم أشهر شعراء العصر العباسي  “أى الثلاثة اشعر؟” فقال أبي العلاء : المتنبي وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري.

وذلك يدل علي القيمة الشعرية العظيمة التي تتمثل فى البحتري و لقب شعر البحتري بسلاسل الذهب، خلف البحتري خلفه ديوان ضخم، معظم ديوان البحتري من المديح والثناء و قصائد قليلة فى الرثاء و الهجاء، وألف أيضاً قصائد في الفخر والعتاب والوصف والحكمة والغزل، كان مصوراً بارعاً، ومن أشهر قصائده تلك التي يصف فيها إيوان كسرى والربيع. و لفظ البحتري فى اللغة العربية تعني قصير القامة

نشأة البحتري

نشأ البحتري فى حلب، وقوم البحتري هم الطائيين وقد إشتهر الطائيين بالفصاحة فغكتسب البحتري الفصاحة من قومه و نشأ عليها، تتلمذ البحتري علي يد أبى تمام وأخذ عنه أسلوبه في المديح، إنتقل البحتري إل حلب وتعلم بحلب الشعر و البلاغة، و إلتقى بعلوة و هى مغنية حلبية أحبها و كتب عنها فى كثير من قصائدة، تنقل البحتري بين البلاد السورية حتى وصل إلى بغداد وإتصل بالخليفة المتوكل أصبح شاعر القصر الخاص بالمتوكل و أنعم عليه المتوكل بالاموال الوافرة، بعد أن قتل المتوكل تنقل البحتري من بلاط لأخر بين الخلفاء حتى عاد إلى منبج ليعيش بها أيامه الاخيرة حتى توفي عام 284 هـ ودفن في مدينة الباب

ديوان عبث الوليد

قام أبو العلاء المعري بشرح و تسميه ديوان البحتري بديوان عبث الوليد و طبع الديوان بطبعات متعددة في مصر وبيروت والقسطنطينية ودمشق

طبيعة شعر البحتري

يتميز البحتري بشعر بدوي النزعة ولم يتأثر إلا بالصبغة الخارجية من الحضارة الجديدة. وقد أكثر من تقليد المعاني القديمة لفظيا مع التجديد في المعاني والدلالات، وعرف عنه التزامه الشديد بعمود الشعر وبنهج القصيدة العربية الأصيلة ويتميز شعره بجمالية اللفظ وحسن اختياره والتصرف الحسن في اختيار بحوره وقوافيه وشدة سبكه ولطافته وخياله المبدع.

غزل البحتري

غزل البحتري بديع المعاني متدفق العاطفة، ويلحظ ذلك في القصائد التي بدأها بذكر علوة تلك المغنية التي احبها في حلب فهو حقيقي الشعور متوثب العاطفة. وهو على كل حال عامر بالرقة والحلاوة، مستوفي الجمال الفني. وقد دعي البحتري ((شاعر الطيف)) لإكثاره من ذكر خيال الحبيب…إلخ

ومن غزله قوله في حبيبته:

سَلامُ اللهِ كُلَّ صَبَاحِ يَوْمٍ …… عليكَ، وَ مَنْ يُبَلِّغ لي سَلامي؟

لقد غادَرْتَ فِي جسدي سَقَاماً …… بِمَا في مُقْلَتَيْكَ مِن السَّقام

وذكَّرَنِيكَ حُسْنُ الوَرْدِ لَمّا …… أَتَي وَ لَذيذُ مَشروبِ المُدام

لَئِن قَلَّ التَواصُلُ أَوْ تَمَادَي …… بِنَا الهِجرانُ عاماً بَعْدَ عامِ

أَأَتَّخِذُ العِراقَ هويً وداراً …… ومَن أَهواهُ في أَرضِ الشآم؟

الرثاء

أسلوب البحتري في الرثاء فخم جليل تغطي فيه العاطفة الفنية على العاطفة الحقيقية. وأحسن رثائه ما قاله في المتوكل.

ومن قوله يرثي المتوكل وقد قتل غيلة وكان حاضرا:

تَغَيّرَ حُسْنُ الجَعْفَرِيّ وأُنْسُهُ …… وَقُوّضَ بَادي الجَعْفَرِيّ وَحَاضِرُهْ

تَحَمّلْ عَنْهُ سَاكِنُوهُ، فُجَاءَةً …… فَعَادَتْ سَوَاءً دُورُهُ، وَمَقَابِرُهْ

إذا نَحْنُ زُرْنَاهُ أجَدّ لَنَا الأسَى …… وَقَد كَانَ قَبلَ اليَوْمِ يُبهَجُ زَائِرُهْ

وَلم أنسَ وَحشَ القصرِ، إذ رِيعَ سرْبُهُ …… وإذْ ذُعِرَتْ أطْلاَؤهُ وَجَآذِرُهْ

وإذْ صِيحَ فيهِ بالرّحِيلِ، فهُتّكَتْ …… عَلى عَجَلٍ أسْتَارُهُ وَسَتَائِرُهْ

وَوَحْشَتُهُ، حَتّى كأنْ لَمْ يُقِمْ بِهِ …… أنيسٌ، وَلمْ تَحْسُنْ لعَينٍ مَنَاظِرُهْ

كأَن لمْ تَبِتْ فيهِ الخِلاَفَةُ طَلْقَةً …… بَشَاشَتُها، والمُلكُ يُشرِقُ زَاهرُهْ

وَلمْ تَجْمَعِ الدّنْيَا إلَيهِ بَهَاءَهَا …… وَبَهجَتَها، والعيشُ غَضٌّ مكاسرُهْ

فأينَ الحِجابُ الصّعبُ، حَيثُ تَمَنّعَتْ …… بِهَيْبَتِهَا أبْوَابُهُ، وَمَقاصِرُهْ

وأينَ عَمِيدُ النّاسِ في كلّ نَوْبَةٍ …… تَنُوبُ، وَنَاهي الدّهرِ فيهِمْ وآمرُه

تَخَفّى لَهُ مُغْتَالُهُ، تَحتَ غِرّةٍ …… وَأوْلَى لِمَنْ يَقاتلهُ أن يُجَاهِرُهْ

فَمَا قَاتَلَتْ عَنْهُ المَنَايَا جُنُودُهُ …… وَلاَ دَافَعَتْ أمْلاَكُهُ وَذَخَائِرُهْ

وَلاَ نَصَرَ المُعتَزَّ مَنْ كَانَ يُرْتَجَى …… لَهُ، وَعَزِيزُ القَوْمِ مَنْ عَزّ ناصِرُهْ

تَعَرّضَ ويب الدهر من دونِ فتحِهِ …… وَغُيّبَ عَنهُ في خُرَاسَانَ، طاهِرُهْ

وَلَوْ عَاشَ مَيْتٌ، أوْ تَقَرّبَ نَازحٌ …… لَدَارَتْ مِنَ المَكْرُوهِ ثَمّ دَوَائِرُهْ

وَلَوْ لعُبَيْدِ الله عَوْنٌ عَلَيْهِمُ …… لَضَاقَتْ عَلَى وُرّادِ أمْرٍ مَصَادِرُهْ

حُلُومٌ أضَلّتْهَا الأمَاني، وَمُدّةٌ …… تَنَاهَتْ، وَحَتفٌ أوْشَكتَهُ مَقَادِرُهْ

وَمُغْتَصَبٍ للقَتلِ لَمْ يُخْشَ رَهْطُهُ …… وَلمْ تُحتَشَمْ أسْبَابُهُ وَأوَاصِرُهْ

صَرِيعٌ تَقَاضَاهُ السّيُوفُ حُشَاشَةً …… يَجُودُ بها، والمَوْتُ حُمْرٌ أظافرُهْ

أُدافعُ عَنهُ باليَدَينِ، وَلَمْ يَكُنْ …… ليَثْنِي الأعَادِي أعزَلُ اللّيلِ حاسرُهْ

وَلَوْ كَانَ سَيفي ساعةَ القتل في يدي …… درَى القاتلُ العَجلانُ كيفَ أُساوِرُهْ

حَرَامٌ عليّ الرّاحُ، بَعْدَكَ، أوْ أرَى …… دَماً بدَمٍ يَجرِي عَلى الأرْضِ مائرُهْ

وَهَلْ أرْتَجِي أنْ يَطْلُبَ الدّمَ وَاترٌ …… يَدَ الدّهْرِ، والمَوْتُورُ بالدّمِ وَاتِرُهْ

أكانَ وَليُّ العَهْدِ أضْمَرَ غَدْرَةً؟ …… فَمِنْ عَجَبٍ أنْ وُلّيَ العَهدَ غادرُهْ

فلا مُلّيَ البَاقي تُرَاثَ الذي مَضَى …… وَلاَ حَمَلَتْ ذاكَ الدّعَاءَ مَنَابِرُهْ

وَلاَ وَألَ المَشْكُوكُ فيهِ، وَلا نَجَا …… من السّيفِ ناضِي السّيفِ غدراً وَشاهرُهْ

لَنِعمَ الدّمُ المَسْفُوحُ، لَيلَةَ جَعفرٍ …… هَرَقتُمْ، وَجُنحُ اللّيلِ سُودٌ دَيَاجِرُهْ

كأنّكُمْ لمْ تَعْلَمُوا مَنْ وَلِيُّهُ …… وَنَاعيهِ تَحْتَ المُرْهَفَاتِ وَثَائِرُهْ

وإنّي لأرْجُو أنْ تُرَدّ أُمُورُكُمْ …… إلى خَلَفٍ مِنْ شَخصِهِ لا يُغَادِرُهْ

مُقَلِّبُ آرَاءٍ تُخَافُ أنَاتُهُ …… إذا الأخرَقُ العَجلانُ خيفتْ بَوَادرُهْ

الحِكَم

اجتزأ فيها البحتري بالمعاني الشائعة القريبة المنال ،ابتعد عن التعقيد وكان الأفضل عند من يفضلون سهولة المعاني، ووضوح الألفاظ، وكانت أيضا ألفاظه وليدة الاختبار البسيط.

من قوله في الحِكَم:

توَاضَعْ تَكُنْ كالنَّجْمِ لاح لِنَاظرِ …… على صفحات الماء وَهْوَ رَفِيعُ

ولا تَكُ كالدُّخَانِ يَعْلُو بَنَفْسهِ …… على طبقات الجوِّ وَهْوَ وَضِيعُ

وقوله:

وما النَّاسُ إِلَّا واجِدٌ غَيْرُ مَالِكٍ …… لِمَا يَبْتَغِي أَوْ مَالِكٌ غَيْرُ وَاجِدِ

وَلَمْ أَرَ أَمْثَالَ الرِّجَالِ تَفَاوَتَتْ …… إِلَى الفَضْلِ حَتَّى عُدَّ أَلْفٌ بِوَاحِدِ

وَلَنْ تَسْتَبِينَ الدَّهْرَ مَوْضِعَ نِعْمَةٍ …… إذَا أَنتَ لَمْ تُدْلَلْ عَلَيْهَا بِحَاسِدِ

وقال أيضا:

سَأَحْمِلُ نَفْسِي عِندَ كُلِّ مُلِمَّـةٍ …… عَلَى مِثْلِ حَدِّ السَّـيْفِ أَخْلَصَهُ الهِنْدُ

لِيَعْلَمَ مَنْ هابَ السُّـرَى خَشْيَةَ الرَّدَى …… بأنَّ قَضـاءَ اللهِ لَيْـسَ لَهُ رَدُّ

فإنْ عِشْتُ مَحْمودًا فَمِثْلِي بَغَى الغِنَى …… لِيَكْسِبَ مَـالًا أوْ يُنَثَّ لَهُ حَمْدُ

وإن مِّتُّ لَمْ أَظْفَـرْ فَلَيْسَ عَلَى امْرِئٍ …… غَـدَا طَالِبًا إِلَّا تَقَصِّـيهِ والجَهْدُ

وله أيضا:

إذَا مَا الْجُرْحُ رُمَّ عَلَى فَسَادٍ …… تَبَيَّـنَ فِيـهِ تَفْـرِيطُ الطَّبِيـبِ

رَزِيَّةُ هَـالِكٍ جَلَبَتْ رَزَايَـا …… وخَطْبٌ بَاتَ يَكْشِفُ عَنْ خُطُوبِ

يُشَـقُّ الْجَيْبُ ثُمَّ يَجِيءُ أَمْرٌ …… يُصَغَّـرُ فِيهِ تَشْقِيـقُ الْجُيُـوبِ

البحتري شاعر التكسب

  • المديح : يقدم إلى التأنيب والتهديد والمبالغة أحيانا، وذلك كله في سهولة وحلاوة.

يقول في مدح المتوكل:

أكرمُ الناسِ شيمةً, وأتمُّ النا …… سِ خَلقاً, وأكثرُ الناسِ رِفدا

وشبيهُ النبيِّ خَلقاً وخُلقاً …… ونسيبُ النبيِّ جداً فجدّا

البحتري شاعر الوصف

  • وصف الطبيعة : ضمن البحتري هذا الوصف لوحات عديدة جمع فيها ألواناً مختلفة من مباهج الطبيعة. وقد كانت أوصافه في الطبيعة على الإجمال قليلة الحظ من الابتكار، تقليدية في أغلبها، غير أن البحتري تمكن من ترقية هذا التقليد إلى درجة رفيعة من التفوق والشخصية والاصالة. وقد ابتدع طريقة خاصة تقوم باختيار التفاصيل الطريفة المحسوسة لتأليف لوحات متناسقة تروع بائتلافها وتؤثر بما يبثه فيها من حياه وحركة، وبما يجعل فيها من موسيقى رائعة.

من قصائده في الربيع:

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا …… من الحسن حتى كاد أن يتكلما

وقد نبه النيروز في غسق الدجى …… أوائل وردكن بالأمس نوما

يفتقها برد الند ى فكأنه …… يبث حديثا كان قبل مكتما

فمن شجر رد الربيع لباسه …… عليه كما نشرت وشيا منمما

أحل فأبدى للعيون بشاشة …… وكان قذى للعين إذ كان محرما

ورق نسيم الريح حتى حسبته …… يجيء بأنفاس الأحبة نعما

  • وصف العمران : أولع البحتري بمظاهر العمران ووصف القصور وما إلى ذلك. وقد أبدى في وصفه براعة في تخير التفاصيل الناتئة، ودقة في رسم تلك التفاصيل رسماً حسياً وانفعالاً نفسياً شديداً.

ومن قوله يصف بركة المتوكل:

يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها …… والآنسات إذا لاحت مغانيها

بحسبها أنها في فضل رتبتها …… تعد واحدة والبحر ثانيها

ما بال دجلة كالغيرى تنافسها …… في الحسن طورا وأطوارا تباهيها

تنصب فيها وفود الماء معجلة …… كالخيل خارجة من حبل مجريها

كأنما الفضة البيضاء سائلة ……. من السبائك تجري في مجاريها

إذا علتها الصبا أبدت لها حبكا …… مثل الجواشن مصقولا حواشيها

فحاجب الشمس أحيانا يضاحكها …… وريق الغيث أحيانا يباكيها

إذا النجوم تراءت في جوانبها …… ليلا حسبت سماء ركبت فيها

لا يبلغ السمك المحصور غايتها …… لبعد ما بين قاصيها ودانيها

يعمن فيها بأوساط مجنحة …… كالطير تنقض في جو خوافيها

لهن صحن رحيب في أسافلها …… إذا انحططن ويهوفي أعاليها

صور إلى صورة الدلفين يؤنسها …… منه انزواء بعينيه يوازيها

محفوفة برياض لا تزال ترى …… ريش الطواويس تحكيه ويحكيها

ودكتين كمثل الشعريين، غدت …… إحداهما بإزا الأخرى تساميها

إذا مساعي أمير المؤمنين بدت …… للواصفين فلا وصف يدانيها

وصف الطبيعة في الأندلس

من الموضوعات التي شاعت في الأندلس وازدهرت كثيراً شعر وصف الطبيعة وهذا موضوع في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي إذ وصف الشعراء صحراءهم وتفننوا في وصفها لكن هذا الوصف لم يتعد الجانب المادي وفي العصر الأموي والعباسي عندما انتقل العرب المسلمون إلى البلدان المفتوحة وارتقت حياتهم الاجتماعية أضافت على وصف الطبيعة وصف المظاهر المدنيَّة والحضارة وتفننوا، فمن ذلك فقد وصف الطبيعة عند الشعراء العباسيين أمثال النجدي والصنوبري وأبي تمام وأبي بكر النجدي الذي عاش في بيئة حلب ولكن ما الجديد الذي جاء به الأندلسيون بحيث أن هذا الموضوع أصبح من الأغراض والموضوعات التي عُرف بها أصل الأندلس.

One thought on “البحتري – شاعر الطيف

  1. تنبيه: البحتر&#161...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *